السيد كمال الحيدري
322
أصول التفسير والتأويل
شئ ذو قيمة في مكان عال ثمّ ننزله مكانياً من مكان إلى مكان آخر ؟ وهل يعنى قوله تعالى : و أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ أنّ هذا الحديد الذي بيد الإنسان كان في مكان عال مثلًا ، ثمّ أنزله الله من هناك ؟ كذلك قوله سبحانه : وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ ( الزمر : 6 ) ؟ في الآية مورد البحث وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ فإنّ النزول يستدعى علوّاً وسفلًا ورفعةً وخفضةً وسماءً وأرضاً كما يقول الطباطبائي « 1 » ، فكيف يتمّ تدبّر الأمر ؟ وعلى أىّ صورة يفهم هذا الإنزال ؟ انتهى البحث العلمي إلى التمييز بين ضربين من النزول لفهم النزول في القرآن ، كثيراً ما يقع الخلط بينهما ويفضى إلى التباسات كبيرة ، وهما : النزول على نحو التجافي والنزول على نحو التجلّى [ النزول على نحو التجافي ] يُنظر إلى العلوّ والسفل تارةً على نحو مكاني ، فهذا الكتاب يوجد في مكان عال الآن ، عندما يأخذه أحدهم ويضعه في مكان دان يُقال فيه أنّه كان عالياً وصار الآن سافلًا . كذلك الحال في ترتيب وضع اليدين إحداهما فوق الأُخرى ، حيث تصير إحداهما فوق نسبةً إلى الأُخرى التي تصير في السفل . من خصائص العلوّ والسفل المكانيّين أنّ النزول فيهما يكون بنحو التجافي ، بحيث إذا كان الشئ في الأعلى فهو غير موجود في الأسفل ، وإذا كان في الأسفل فهو غير موجود في الأعلى ، وعلى هذا جرت الآية في قوله تعالى : تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ ( السجدة : 16 ) ، فعندما ينهض هؤلاء لا تبقى جنوبهم في المضجع ، بل تتجافى عنه وتتباعد .
--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 12 ص 143 .